المهندسة سجى البياتي

الاقتصاد الرقمي… مورد جديد للعراق

يسلط المقال الضوء على فرص تحويل الاقتصاد الرقمي إلى مورد اقتصادي جديد للعراق، من خلال الاستثمار في البنية التحتية الرقمية، ومراكز البيانات، وصناعة البرمجيات، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، مع التركيز على الانتقال من استهلاك التكنولوجيا إلى إنتاج وتصدير الخدمات والحلول الرقمية وخلق فرص عمل جديدة.

الاقتصاد الرقمي… مورد جديد للعراق
لم يعد التحول الرقمي اليوم مجرد وسيلة لتسهيل الإجراءات الحكومية أو تحويل المعاملات الورقية إلى خدمات إلكترونية، بل أصبح أحد المحركات الأساسية للاقتصاد العالمي، وقطاعاً قادراً على إنتاج فرص العمل وجذب الاستثمارات وخلق مصادر جديدة للإيرادات.

وفي العراق، ما زال الحديث عن التحول الرقمي يرتبط في كثير من الأحيان برقمنة الخدمات الحكومية والدفع الإلكتروني والأتمتة، وهي خطوات مهمة بلا شك، لكنها تمثل جزءاً فقط من الصورة الأكبر.

السؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم هو: كيف يمكن للعراق أن ينتقل من استخدام التكنولوجيا إلى إنتاجها، ومن الإنفاق على الحلول الرقمية إلى تحقيق إيرادات منها؟

من التحول الرقمي إلى الاقتصاد الرقمي

هناك فرق بين رقمنة الخدمات وبين بناء اقتصاد رقمي حقيقي.

عندما تتحول معاملة حكومية من الورق إلى منصة إلكترونية، فنحن أمام عملية رقمنة. أما عندما تنشأ شركات تقنية عراقية، ومنصات رقمية، ومراكز بيانات، وخدمات سحابية، وشركات أمن سيبراني، ومنتجات برمجية يتم بيعها داخل العراق وخارجه، فنحن نتحدث عن اقتصاد رقمي منتج.

وهذا هو التحول الذي يحتاج العراق إلى التركيز عليه خلال المرحلة المقبلة.

فالعراق يمتلك سوقاً كبيرة، ونسبة مرتفعة من الشباب، وانتشاراً واسعاً للهواتف الذكية والإنترنت، إلى جانب حاجة المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص إلى آلاف الحلول والأنظمة الرقمية.

هذه الحاجة يمكن أن تتحول من باب للإنفاق إلى فرصة لتأسيس صناعة رقمية عراقية.

البيانات مورد اقتصادي

من أهم الموارد التي لم نستثمرها بالشكل الكافي حتى الآن البيانات.

المؤسسات الحكومية والمالية والصحية والتعليمية وغيرها تنتج كميات هائلة من البيانات يومياً، لكن القيمة الاقتصادية لا تأتي من مجرد تخزين هذه البيانات، وإنما من القدرة على تنظيمها وتحليلها واستخدامها بصورة قانونية وآمنة لتحسين القرارات والخدمات وبناء حلول جديدة.

وهنا تظهر أهمية إنشاء بنية وطنية للبيانات، ووضع سياسات واضحة للحوكمة والخصوصية والحماية، وتشجيع استخدام تحليلات البيانات والذكاء الاصطناعي.

فالبيانات المنظمة يمكن أن تساعد الدولة في التخطيط الاقتصادي، وتحسين الخدمات، واكتشاف الهدر، ورفع كفاءة المؤسسات، ودعم الاستثمار.

مراكز البيانات والحوسبة السحابية

جزء كبير من الاقتصاد الرقمي العالمي يقوم على البنية التحتية التي لا يراها المستخدم بصورة مباشرة.

مراكز البيانات، والخدمات السحابية، وشبكات الاتصالات، وأنظمة التخزين والمعالجة، كلها أصبحت بنية تحتية اقتصادية لا تقل أهمية عن البنى التقليدية.

لذلك يحتاج العراق إلى تشجيع الاستثمار في مراكز البيانات المحلية والبنية السحابية والخدمات الرقمية، مع اعتماد معايير عالية للأمن السيبراني واستمرارية الأعمال وحماية المعلومات.

وجود هذه البنية داخل العراق لا يحقق جانبًا اقتصادياً فقط، وإنما يدعم أيضاً مفهوم السيادة الرقمية ويقلل الاعتماد المفرط على البنى والخدمات الخارجية في المجالات الحساسة.

صناعة البرمجيات بدل استيرادها فقط

تدفع المؤسسات العراقية سنوياً مبالغ كبيرة للحصول على برامج وأنظمة وخدمات تقنية.

جزء من هذه الحاجة يمكن أن يتحول إلى سوق للشركات والمطورين العراقيين.

يمكن للعراق أن يدعم صناعة وطنية في مجالات مثل الأنظمة الإدارية، والتطبيقات، والتجارة الإلكترونية، والتقنيات المالية، والأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، والحلول الحكومية الرقمية.

وعندما تستطيع شركة عراقية تطوير منتج رقمي قابل للاستخدام في العراق ثم تسويقه إلى أسواق أخرى، فإننا نكون أمام صادرات رقمية لا تحتاج إلى شاحنات أو موانئ لنقلها عبر الحدود.

وهنا تكمن إحدى الفرص الاقتصادية المهمة التي يجب الالتفات إليها.

الاستثمار في الأمن السيبراني استثمار اقتصادي

لا يمكن بناء اقتصاد رقمي قوي من دون بيئة رقمية آمنة.

كلما ازدادت الخدمات الإلكترونية والمدفوعات الرقمية وقواعد البيانات والمنصات الحكومية، ازدادت معها قيمة الأصول الرقمية التي تحتاج إلى الحماية.

لذلك يجب ألا يُنظر إلى الأمن السيبراني باعتباره تكلفة إضافية على المؤسسات، بل باعتباره جزءاً أساسياً من البنية الاقتصادية الرقمية.

كما أن بناء قطاع وطني متخصص في الأمن السيبراني يمكن أن يخلق وظائف وشركات وخدمات جديدة في مجالات الاختبار الأمني، وإدارة المخاطر، ومراكز العمليات الأمنية، والاستجابة للحوادث، والاستشارات والتدريب.

الذكاء الاصطناعي فرصة اقتصادية للعراق

الذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن يبقى بالنسبة لنا مجرد أدوات نستخدمها طورتها شركات خارج العراق.

لدينا فرصة لتطوير تطبيقات وحلول محلية تتعامل مع احتياجات المجتمع والمؤسسات العراقية، ابتداءً من الخدمات الحكومية والتعليم والصحة، وصولاً إلى الصناعة والزراعة والقطاع المالي.

لكن الوصول إلى ذلك يتطلب بيانات جيدة، وبنية حوسبية مناسبة، وكفاءات بشرية، وتشريعات واضحة، وبيئة تسمح للشركات الناشئة بالابتكار والنمو.

الشباب هم البنية التحتية الأهم

البنية التحتية الرقمية ليست أجهزة وخوادم وشبكات فقط.

العنصر البشري هو أهم جزء فيها.

العراق يمتلك قاعدة شبابية كبيرة يمكن أن تتحول إلى قوة اقتصادية في مجالات البرمجة والأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات والحوسبة السحابية.

لكن ذلك يحتاج إلى ربط التعليم والتدريب باحتياجات السوق الفعلية، ودعم المهارات العملية، وتشجيع العمل الحر والشركات الناشئة، وفتح المجال أمام الشباب للوصول إلى الأسواق الإقليمية والعالمية.

المبرمج أو المصمم أو محلل البيانات أو خبير الأمن السيبراني العراقي الذي يقدم خدمة لشركة خارج العراق هو، بصورة مبسطة، يصدّر خدمة رقمية ويدخل إيراداً إلى الاقتصاد العراقي.

وهذا نموذج اقتصادي يستحق أن يحصل على اهتمام أكبر.

ما الذي يحتاجه العراق؟

الانتقال إلى اقتصاد رقمي منتج يحتاج إلى منظومة متكاملة، تبدأ ببنية تحتية رقمية قوية، وتشريعات حديثة لحماية البيانات وتنظيم التعاملات الرقمية، وهوية وتوقيع رقميين، وبيئة آمنة للدفع الإلكتروني، واستثمارات في مراكز البيانات والحوسبة السحابية.

ويحتاج كذلك إلى دعم الشركات التقنية العراقية والشركات الناشئة، وتطوير التعليم والمهارات الرقمية، وتشجيع صناعة البرمجيات والأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي، وفتح المجال أمام تصدير الخدمات الرقمية.

الأهم من ذلك هو وجود رؤية اقتصادية واضحة للتحول الرقمي، بحيث لا يكون الهدف فقط جعل المؤسسات أكثر سرعة، وإنما جعل التكنولوجيا نفسها قطاعاً يساهم في الناتج المحلي ويوفر الوظائف ويجذب الاستثمار.

من مستهلك للتكنولوجيا إلى منتج لها

يمتلك العراق فرصة حقيقية لبناء اقتصاد رقمي قوي، لكن تحقيق ذلك يحتاج إلى تغيير طريقة النظر إلى التكنولوجيا.

بدل أن نسأل فقط: ما النظام أو التطبيق الذي نحتاج إلى شرائه؟

يجب أن نسأل أيضاً:

هل نستطيع تطويره داخل العراق؟ وهل يمكن أن يتحول هذا الحل إلى منتج عراقي يصل إلى أسواق أخرى؟

الاقتصاد الرقمي يمكن أن يكون واحداً من الموارد الجديدة للعراق، إلى جانب موارده التقليدية، إذا استثمرنا بصورة صحيحة في الإنسان والبيانات والبنية التحتية والأمن والابتكار.

والهدف في النهاية ليس أن يصبح العراق أكثر استخداماً للتكنولوجيا فحسب، بل أن ينتقل تدريجياً من مستهلك للتكنولوجيا إلى منتج ومصدّر للخدمات والحلول الرقمية.

المهندسة سجى البياتي
الأمن السيبراني – التحول الرقمي – الاقتصاد الرقمي

<!-- SAJA_BACKLINK_DATA_PROTECTION_FINAL --><p>لا يكتمل الاقتصاد الرقمي بدون الخصوصية الرقمية وحماية البيانات في العراق.</p>